الشيخ محمد رشيد رضا

591

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يبقى معه تأثير نافع لعمل آخر فيها ، يمكن أن يترتب عليه نجاتها وفلاحها * * * أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ذهب ابن جرير والرازي . إلى أن الإشارة في أولئك إلى من ذكر في الآيات من أنبياء اللّه تعالى ورسله ، وذهب آخرون إلى شمولها من ذكر بعدهم اجمالا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم . وقال ابن جرير ان المراد بالكتاب ما ذكر في القرآن من صحف إبراهيم وموسى وزبور داود وإنجيل عيسى ، وان المراد بالحكم الفهم بالكتاب ومعرفة ما فيه من الاحكام ، وروي عن مجاهد ان الحكم هو اللب ( قال ) وعنى بذلك مجاهد ان شاء اللّه ما قلت ، لان اللب هو العقل ، فكأنه أراد أن اللّه آتاهم العقل بالكتاب وهو بمعنى ما قلنا من أنه الفهم به اه . ولم يرو عن السلف في تفسير الحكم غير هذا القول عن مجاهد . ولحكم يطلق في أصل اللغة على حكم العقل باثبات شيء لشيء أو نفيه عنه قطعا وهو العلم اليقيني بالمعنى اللغوي الذي بيناه من قبل وهو يستلزم فقه المعلوم وفهم سره وحكمته فهو بمعنى الحكمة والفلسفة ، ويطلق على القضاء لخصم على خصم بأن هذا حقه أوليس بحقه ، وقال الراغب : والحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه ، وقال صاحب اللسان : والحكم العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حكم بحكم ( كنصر ينصر ) ثم نقل عن ابن سيده ان الحكم القضاء وجمعه أحكام ولم يقيده بالعدل ، وعن الأزهري انه القضاء بالعدل . وقول ابن سيده هو الظاهر لقوله تعالى ( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) والمعني الأصلي لهذه المادة المنع . . قال في اللسان : والعرب تقول حكمت وأحكمت وحكمّت ( بالتشديد ) بمعنى منعت ورددت ، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم . وذكر كغيره من ذلك حكمة اللجام بالتحريك وهي حديدة اللجام التي توضع في حنك الدابة لأنها تردها وتكبحها . وأقول إن الحكم بمعنى العلم الجزم وفقه الأمور وهو حكمتها فيه معنى المنع أيضا وهو منع الاحتمالات والظنون فمن ليس له حكم جازم في المسألة لا يكون عالما بها . وما يقال في المسألة الواحدة يقال في كل علم وفن ، وكذا منع العالم الحكيم من مخالفة مقتضى العلم ، ومن الواضح الجلي أن كل نبي من الأنبياء قد آتاه اللّه الحكم بهذا